الراغب الأصفهاني
270
الذريعة إلى مكارم الشريعة
الصدق ومدحه والكذب وذمه أصلهما في القول ، ولا يكونان بالقصد الأول من القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام ، فأما بالعرض فقد يدخل في أنواع الكلام من الاستفهام والأمر والدعاء ، وذلك أن قول القائل أزيد في الدار ؟ في ضمنه إخبار بكونه جاهلا بحال زيد ، وكذلك إذا قال وأسنى في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة ، وإذا قال لا تؤذني في ضمنه أنه يؤذيه ، وكلاهما أعني الصدق والكذب يستعمل في الاعتقاد أيضا كقولهم صدق ظنه واعتقاده وكذبا ويستعملان أيضا في أعمال الجوارح نحو صدقوهم القتال وكذبوهم وحد الصدق التام هو مطابقة القول الضمير والمخبر عنه ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا تاما بل إما أن لا يوصف بالصدق والكذب ، أو يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على نظرين مختلفين كقول الكافر إذا قال من غير اعتقاد محمد رسول اللّه فإن هذا يصح أن يقال فيه إنه صدق لكون المخبر عنه كذلك ، ويصح فيه أن يقال إنه كذب . لمخالفة قوله ضميره ولهذا كذبهم اللّه تعالى حيث قال : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ « 1 » وكذلك إذا قال من لم يعلم كون زيد في الدار إنه في الدار يصح أن يقال صدق وأن يقال كذب باعتبار نظرين مختلفين ولهذا قال عليه السّلام : « من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ وفي لفظ آخر فقد كذب على اللّه » « 2 » والمتوسم لا قصد له فإذا قال زيد في الدار لا يقال أنه صدق ولا كذب .
--> ( 1 ) المنافقون / 1 . ( 2 ) روى الترمذي عن جندب عن عبد اللّه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » . قال الترمذي في سنده سهيل ابن أبي حزم ، وقد تكلم أهل الحديث فيه وقال ابن الأثير : ضعفه البخاري وأبو حاتم ، وأحمد لأن فيه سهيلا بن أبي حزم . الترمذي السنن / 5 / تفسير القرآن باب / 1 حديث 152 . ابن -